. ولكنني اشك في صحة هذا التاريخ لأن الرجل المذكور كتب في تاريخه ان اول الوافدين الى هذه القرية وأول الذين عمروها لجأ من العاقورة لأسباب شخصية الى المير اسماعيل شهاب سيد وادي التيم في حينه وهو خال المير يوسف شهاب سيد الامارة اللبنانية الشهابية كلها في حينه والذي انتهت امارته في سنة 1789 وتسلم منه نسيبه الأمير بشير الثاني الشهابي الكبير
.
وبناء على هذا التاريخ وعلى هذه الفترة الزمنية وحيث ان العاقوري الفار الى قرية
القليعة قد طلب من المير اسماعيل حمايته ورعايته فكلفه المير اسماعيل ان يكون ناطورا له على املاكه في سهل مرجعيون .
وعليه يكون نشوء بلدة القليعة قد بدأ في أوائل القرن الثامن عشر .
وهناك بعض ملاحظات ذكرها المؤرخون مفادها ان رجالا من مزرعة القليعة قد تسللوا الى قلعة شقيف ارنون خلال حصار الأتراك لها سنة 1613 بقيادة حافظ باشا ونقلوا الى المحاصرين في القلعة ما امكنهم حمله من مواد تموينية كالتين المجفف والزيت وغيرها ... واذا صح هذا الكلام يكون العاقوري الهارب من العاقورة الى القليعة قد سكن مع اناس سبقوه اليها وسكن معهم .
وحيث ان اولئك الرواد الذين وفدوا الى هذه القرية وعمروها كانوا رجالا اميين همهم الأول استنبات حبة القوت من سهلها واراضيها, لا يعنيهم شيء من امور الدنيا غير هذه وغير الرضى سيد الوقت الاقطاعي الذي احتضنهم في كنفه, وعليه فليس في ايدينا اية مخطوطات كتبها احد ذراريهم تضيىء لنا تاريخ هذه القرية الغامض .
وكل ما نعرفه معرفة اليقين هو ان اجداد العشائر اوالعائلات البلدية قد توافدوا الى هذه القرية من انحاء لبنان المختلفة وفي ازمنة متلاحقة, فسكنوها وتزوجوا من بناتها وأزوجوا بناتهم لشبانها فتداخلت اغصان شجرة القرية فيما بينهم وتعاونوا معا على شؤون معيشتهم وبؤس دنياهم وشقائها .
اما فيما يخص في تسمية القليعة في هذا الأسم فيبدو لنا من باب الاجتهاد بأنهم شبهوها بقلعة شقيف ارنون الجاسمة بجبروتها قبالتهم وصغروا كلمة قلعة من باب احترام الواقع والمقومات, وقد يكون هناك اسباب اخرى لهذه التسمية بهذا الأسم .
اننا نستطيع الكلام بثقة العقل والعيان (المعاينة) عن بعض فترات من تاريخ هذه البلدة عشناها وتاثرنا بجوها وروحانيتها اللبنانية الاصلية النبيلة من الذكريات التي نحتفظها من تلك الفترة في اوائل (الخمسينات والستينات) في هذا القرن ان قرية القليعة قد نمت وتوسعت فقد صارت بلدة ومع انها ظلت محرومة من الماء والكهرباء ومعاهد التعليم المتوسط والعالي في تلك الفترة اسوة بالقرى المجاورة لها, فان تلك الفترة على ما كنا فيها من فقر وحرمان من المرافق الحيوية التي ذكرت فان روح ابناء البلدة قد شاركت برغم كل شيء في هذا النسيج الاجتماعي الجنوبي الذي نقشها قدرها فيه, قد شاركت مشاركة فعلية مشهودة :
اولا: كانت بلدة القليعة في ذلك الوقت اهراء التموين للقرى المجاورة لكثرة ما تنتج من حبوب القوت والطبخ, ولكثرة ما كان يزين خراجها الوسيع من شجر التين العالي الجودة ومن شجر الزيتون الذي لا يضاهي زيته زيت اي منطقة في لبنان. فكان جيراننا من بلاد الشقيف وجبل عامل وقرى مرجعيون يقصدونها لشراء منتجاتها الوفيرة ومبادلة اهليها بما عندهم فينتصب سوق البيع والشراء ملاصقا لكاتدرئيتها الوحيدة في كل يوم من ايام الاحاد الدافئة والتي لا مطر فيها. فكانت التراتيل تتعالى من داخل المعبد واسواق الباعة تلاحقها من الخارج, فتجتمع الدين والدنيا في رقعة ضيقة واحدة.
ليس هذا المعلم (محطة ) فحسب من معالم تاريخ هذه البلدة الوطني الاجتماعي الذي قدم في تلك الفترة بالذات (الخمسينات والستينات) القدرة الفضلى في الالفة والوحدة الوطنية التي يفتش عنها وعن تحقيقها وتوكيدها وتثبيتها عقلاء وشرفاء في بلادي
.
وهناك معالم كثيرة اخرى تحضرني في ذاكرتي وتشدني في الحنين شدا الى تلك الفترة الرائقة الزاهية فاتوجع على تذكارها واستعادتها.
يوم اذٍَ كانت بلدتنا مقصدا لكل ابناء الجوار يأتونها صيفا للاصطياف في بساتين التين الكثيرة ذات الثمر العالي الجودة , يدفع رب العائلة مبلغا زهيدا من الورق اللبناني في ميزان تلك الايام لقاء تسلم العشرات من التين الجيد ليستغل الموسم ويجني الثمار ويتمتع هو واسرته بطيب الفاكهة وطيب المياه الوفيرة في ارضنا وطيب الهواء والامن وطيب المعاملة والتكافل لاننا فعلا كنا ولم نزل نحن وجيراننا اسرة واحدة والحمدلله.
ومن ذكرياتي عن تلك المرحلة وهي اجمل واحلى مراحل عمري انا اعيادنا واعراسنا ومأتمنا كانت مشاركة وثقة بيننا وبين اخواننا من القرى المجاورة.
اعياد الناصرى كثيرة ولكن عيد القليعة البارز ليس فقط عيد الفصح والقيامة المجيدة ولا عيد الشعانين اللذين كانت تزهو بهما بلدة القليعة فتطفوا وتعوم في كبارها وصغارها , في سكانها وضيوفها على بساط من خضرة الربيع وزهوه, من رونق الجو اللبناني الجميل الذي يجلبه لنا شهرا اذار ونيسان, فان العيد المضاهي لذينك العيدين بل هو ثالثهم في الرونق ، عنيت بها عيد القديس جاورجيوس .
وينزل هذا العيد على مدار الايام في اليوم الثالث والعشرين من كل سنة عيد مشهود, مقصود تتهيأ له البلدة وجوارها ويقصده التاجر في بضائعه لعرضها, وتقصده الاباء والامهات الناذرون والناذرات عن ولد مريض او موؤف باية آفة اخرى كما يقصده الشبان والصبايا للفرح والابتهاج والانشراح مع شبان وصبايا القليعة. فتنعقد حلقة الدبكة الكبرى في ساحة الكنيسة الغربية وتنعقد حلقات فرعية اخرى حيث ما اتسع المكان, لم يكن انذاك عندنا ستريوهات او مكبرات صوت او اشرطة جاهزة للاثارة, ودفع الناس دفعا الى حلقات الرقص دفعا كما يحصل اليوم.
كل ما كان عندنا في ذلك الوقت آلتان للطرب والطرب الاصيل هما الدربكة للانامل الرشيقة والاذان الرقيقة من جهة ومن الجهة الثانية الارغل (المجوز) وشقيقته الناي (المنجيرة). كان عندنا يوم ذاك من ابناء البلدة وابناء الجوار من يجيدون اجادة عالية النفخ في الارغل والناي حتى لا يكاد احدهما لا يتكلم ولا يفصح باحداهم او بكليتيهما معا. انني اعني ما اقول فقد كان سيد الارغل تنعمر به الدبكة ساعات وساعات فلا يرتاح الى لياخذ نفسا او يتناول كاس ماء او لحاجة ضاغطة اخرى وسرعان ما يعود بعدها الى ادارة الدبكة وتهييج المتماسكين في حلقتها.
كانت افراحنا انذاك بسيطة ولكنها عميقة التأثير.
كانت افراحنا انذاك افراحا قلبية تشمل الكبير والصغير تشمل الضيف والمضيف وترتفع في نفوسنا نحن الغلمان والشبان والصبايا الشابات الى جو جميل حلو من الطرب والفرح والامل والسعادة والاطمئنان
.
مثل هذا الجومن الطرب كان يخيم على بريتنا الغربية في ليالي الصيف يقيمه التيانون الوافدون من جيراننا يقيمون الاعراس الليلية بالارغل والدربكة والغناء البلدي, حتى كأنما ليل برارينا نهارات اعياد هذا شيء من ذكرياتي عن زمان المحبة مع الفقر والالفة على الحرمان, والتعاون والتصافي والتأخي على ظروف البؤس ونوائب الدهر, هي هي ايام لبنان ولياليه التي نعمل وتحب ان تعود وتستمر في ارجاء وطننا الجميل.
ذيب نقولا